طعم شم النسيم.. بورسعيدي

20/04/2022 - 4:33:01

الكاتب والأديب حسن خلف حسين الكاتب والأديب حسن خلف حسين

تأليف - حسن خلف حسين

الزمان: ستينيات القرن الماضي
المكان: جانب من أحد شوارع بورسعيد
المناسبة: إحتفالية خاصة جدا تختص بها المدينة وحدها في الْيَوْمَ السابق لشم النسيم.
إزدانت المدينة عن بكرة أبيها بالدمي المصنوعة من القماش(الألمبي)،جميع أهل الشارع شارك بهمة ونشاط منذ شهر مضي في صناعته حتي يخرج بالشكل الأفضل الذي سوف يفتخرون بتميزهم به أمام سكان الشوارع المجاورة.
من شارك بقميص وآخر ببنطلون، وبعض الأمهات بالحياكة، حتي الأطفال قاموا بجمع قصاقيص القماش من محل الترزي أو قش الأرز من سوق الجملة، ليقوم آخرون بالحشو الداخلي مع رسم ملامح الوجه، ثم رفع الألمبي بالحبال بين بلكونتين متقابلتين بعرض الشارع ليتوسط منتصف الشارع والجميع يتباهي بمشاركته.
إضافة لذلك بعض الدمي الصغيرة صنعتها بعض الأمهات حتي تسعد أطفالها، ووضعتها لهم في الترسينة أي (البلكونة).
لهذا الطقس تاريخ وأصل يعود للجالية اليونانية للطائفة الإنجيلية منهم، والذين كانوا يعملون بقناة السويس، حيث يعتقدون أن "يهوذا" أوشي بالمسيح عليه السلام حتي تم صلبه، ويتزامن لديهم تاريخ المعتقد هذا مع عيد الربيع.
لذلك كانوا يصنعون دمية من القماش يحشونها بالقش علي هيئة "يهوذا"، ويشعلون نارا ويلقون الدمية فيها.
أخذ البورسعيديون فكرة حرق كل مستبد ومتطرف وظالم لينفردوا بها، وكانت بدايتهم مع اللورد الإنجليزي الظالم "اللنبي".
لازالت كنيسة الطائفة اليونانية - والتي كان يتم حرق "يهوذا" أمامها - كائنة حتي الآن باسم كنيسة النبي إلياس بشارع صلاح سالم وامتداد الحميدي.
نعود لفرحة الشارع بهذا الحدث السنوي المنتظر من الجميع، الفرحة تعلو الوجوه، الكل ينتظر النهاية السعيدة لمن صنعوه بأيديهم.
الشباب يطمئن علي مخزون مواد الحريق من كاوتش وأقفاص الجريد وخلافه، وقد سهروا ليالي في حراسة هذا المخزون الإستراتيجي خوفا من سطو شباب الشوارع المجاورة عليه.
أطفال الشارع ينتشرون تملؤهم السعادة، يرتدون البيجامات المصنوعة من أقمشة المحلة الكبري، والفتيات أيضا يرتدين فساتين من قماش (باتيستا) المنقوش بالورد مع كولة سادة حول الرقبة، كل هذه الثياب مصنوعة بواسطة "أم سوزان" خياطة الشارع.
حتي لا يضيع وقت الفرحة من الأطفال انقسموا مجموعات تلقائيه حسب الميول، ما بين لعبة "السبع طوبات" و "الأولي" و " الأستغماية"، وألعاب كثيرة معروفة تتميز بالبساطة وبدون إمكانيات تذكر.
تمتاز مدينة بورسعيد وقتها بالشوارع المنتظمة، فيها المنازل علي جانبي الشارع أغلبها بحي العرب، ترتفع ما بين ثلاثة أدوار وأربعة علي الأكثر، تجمع في البناء ما بين الطوب الحجري والأخشاب والبروزات أي (الترسينات)، مقامة علي أعمدة متينة من الخشب ومصنوعة من الخشب أيضا بشكل جمالي متميز ومتناسق مع النوافذ، لازال قائما منها حتي الآن..
السيدات في المنازل يقودن ملحمة أخري غاية في الأهمية، لتكتمل فرحة طقوس هذا اليوم البهيج من صناعة المنجئونة، وتلوين البيض، والشكلمة، وتجهيز الخس والبصل الأخضر والملانة وخلافه، لزوم ضرب الفسيخ في الغد.
أم صاصا التي تسكن بالدور الأول علي أورنة (ناصية) الشارع، تسمع صوت بائع ينادي علي البرغوت، تخرج له في التراسينة وتطلب منه كمية كبيرة من البرغوت (الجمبري الصغير)، وتوصيه أن يغرف لها من فوق الوش لأن اللي تحت بيبقي كله رفيع زي الدود.
تنادي أم صاصا علي إبنتها بطه وتقول لها:
أديني جبت البرغوت عشان نعمل كفتة وكبيبة تسند مع الفسيخ بكرة، والولة ابنك الكبير إِنِف وما بيحبش الفسيخ، يالا انتي انقعي الرز، وخرطي البصل وابعتي الولة ابنك يجيب لنا الحباش م الراجل اللي علي "أورنة" الشارع، ويقوله يكتر الشبت، واندهي يا بطة علي أم عبود و شوكار اللي في البدروم وأم النوصَة والبت لوزة، ييجوا يقشروا معايا، يلا يا بت شهلي عشان نخلص قبل ما ابوكي ييجي والدق بالهون مش هيخليه ينام العصر.
إنتصف النهار والعربي العترة ينصب قوائم المرميين الأربع’ علي جانبي الشارع، ويخطط الملعب بالطباشير إستعدادا لإقامة مباراة كرة القدم (الكياس)، وهي كرة مطاطيه تشبه كرة التنس حاليا، معظم اللاعبين يلعبونها حفاة القدمين وهذا طقس سنوي مستديم في هذا اليوم.
ينادي علي الأطفال قاطعا شهوة اندماجهم في لعباتهم قائلا:
-يلا يا عيال إبعدوا عشان فيه ماتش كورة، وأبلغهم مفاجأة سارة بأن اللاعب المشهور "السنجأ" سوف يلعب مع الفريق المنافس.
يقوم العربي أيضا بإبعاد الباعه الجائلين والذين اعتادوا المرور بالشارع، منهم من يبيع الفطير وينادي:
-زبده وجبنه وعجوه(يا غني يارب)، وثاني ينادي علي الخبز الطازج:
بييتي، والثالث عّم الصياد بائع الحلاوة النيفة، وصاحب الميعاد المقدس بائع الزبادي ينادي:
زبااااادي.... ويرد علي نفسه: قشطة.
نجح العربي في إبعاد كل هؤلاء مع بائع البصل الأخضر والخس وغدا يومهما.
إصطف شباب ورجال وأطفال الشارع علي الجانبين ليشاهدوا مباراة ممتعة، والتصفيق والصفافير مع كل لعبة حلوة ومرواغة من الحريف "السنجأ".
الصبي موءة ذو العشرة أعوام ينادي علي جدته أم صاصا من الشارع: نينة .. نينة.. نينة
ترد عليه جدته من التراسينة بعصبية: فيه إيه يا ولة، ما تبلع ريقك.. عايز إيه؟
-موءه:
-اسرجيلي النور يا نينا، الدنيا عتمه خرمس ع السلم، وفيه قطة سودا واقفة ع البسطة بتبرقلي.
-أم صاصا:
-نور إيه دلوقتي واحنا في عز النهار، إنت خيخة ولسان ع الفاضي، وبعدين ما تطلعش محدش فاضيلك.
-موءه بانفعال ومسكنة:
-طب انا جعان بقي، أقولك حِنِيلي قِشفَة بجبنة ونزليها في السبت.
أم صاصا :
-يا وله إيديا متلغمطة زفارة، وانا كنت عاطية لك قرش روح هات شقتين انت واخوك من عند شلبي، إياك تنده عليا تاني يا حمار.
مشي موءه يبرطم من جبروت جدته التي لم تنسي أنها أعطته قرش بحاله قبل ماينزل الشارع.
يتجمع رجال وشباب الشارع لتوزيع الأدوار فيما بينهم، يقودهم الرجل المحنك "أبو السعيد البيو" -كما اعتاد كل عام- لإخراج احتفاليه الليلة لتليق بإسم الشارع بتاعهم متفوقين علي الشوارع المجاورة، بحيث تكون لديهم أكبر وليعة "حريقة" مع أحسن ألمبي.
المسئول عن زفة الألمبي العربي العترة لطول قامته وقوامه الرياضي، والمصاحب له علي الطبلة في الزفة فنان الإيقاع إبن الشارع "موحة":
تبدأ الزفه ويحمل العتره الألمبي فاتحا رجليه ويضعهما فوق كتفيه وممسكا بيديه ويشدو ومن خلفه الجميع:
-يا ألمبي
-الجميع: يا ابن ألمبوحة
-ومراتك؟
-الجميع: حلوة وشرشوحة
-يا تربة يا ام بابين
-الجميع: وديتي الألمبي فين؟
وهكذا يتم الترديد علي نغمة طبلة الفنان "موحة"، ويجوبون الشارع وبعض الشوارع القريبة، بينما السيدات والفتيات يصفقن ويضحكن من قلوبهن ولا مانع من إطلاق زغروته طويلة من البت النون (دلع أمينة).
علي الجانب الآخر الشباب المسئول عن الوقود من كاوتش وأقفاص وأخشاب يكومونها في منتصف الشارع رصة محترفين اعتادوا عليها، لتكون مرتفعة قدر إمكانهم حتي تظهر حريقة ما حصلتش تمتع الناظرين.
الأطفال مستعدون كلا منهم في جييه ثلاث أو اربعة حبات من البصل ليضعوها وقت هدوء النار لتنضج داخلها ليأكلون البصل المشوي بلذة لن تتكرر إلا بعد عام..
عادت زفة الألمبي إلي الشارع وعندها تم إشعال النار ، وطاف الجميع مع الألمبي حول النار التي تستعر بإلقاء المزيد من البنزين.
يمسك الشباب كلا منهم بطرف من الألمبي ولكل منهم في نيته ظالم أو فاسد أو حتي زعيم، لابد من إلقاؤهم جميعا في نار الشارع وبئس المصير.
بعد متابعة أم صاصا وابنتها بطة هذا الحدث الجلل الذي تتميز به مدينتهم الغراء عن سائر مدن الدنيا، تذكرت أن حفيديها لازالا بالشارع أخذت تنادي عليهما:
يا وله يا موءة، يا وله يا رزة، إطلعوا بقي الدنيا ليلت.
يرد عليها موءة بتناحة:
-لسه بدري يا نينا، خلينا شوية فرقة السمسية جاية دلوقتي.
أم صاصا:
-اطلعوا دلوقتي احسن لكم، لا سمسمية ولا حمصية، عشان بكرة من النجمة هنروح البحر، يلا أنا سرجت لكم نور السلم..
وانطفأ بعد سنوات نور مدينتنا، تري هل سيأتي من يسرجه؟
لعله يطفئ لهيب الأسعار. 



نبذة عن الروائي/ حسن خلف حسين
* كاتب روائي ومسرحي، من مواليد بورسعيد 1958
* حاصل على بكالوريوس تجارة (شعبة المحاسبة)، جامعة قناة السويس عام 1980
* دبلوم دراسات عليا في التسويق عام 85
* دبلوم دراسات عليا في اساليب علوم الحاسب الآلي عام 1989.
* عضو اتحاد كتاب مصر.
* عضو الاتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب.
* يميل لكتابة الأدب الاجتماعي والأدب الساخر.
* كاتب في مجلة النيل والفرات والمشرف على صفحة بعنوان "كاتب وكتاب".
* عضو نادي أدب بورسعيد.
* حاصل عَلِي منحة التفرغ من وزارة الثقافة عامين متتاليين.
صدر له الروايات:
1-رواية "زبدة وجبنة وعجوة" (الجزء الاول)
2-رواية "زبدة وجبنة وعجوة" (الجزء الثاني) بعنوان: " الرحيل عن الروح"
3-رواية "أحمق ملك روحي"
4-رواية "روح وريح الجنوب"
5-رواية "ثرثرة أنجبت بعثرة"
6-رواية "امرأة من بارود"
7-رواية "فردة بيادة معطرة بالدم"
8-رواية "كوكب بيداسون"
9-رواية رد كلبي
10-الجزء الثالث من رواية زبدة وجبنة وعجوة بعنوان (وصال الروح)
المسرحيات:
1-مسرحية "نونو والعرش"
2-مسرحية فردة بيادة معطرة بالدم
3-مسرحية "نواوينا"
4-مسرحية "كوكب بيداسوون".
5-مسرحية "كلبي دليلي "
6-مسرحية قبائل كاكاهونا
للتواصل مع الكاتب
الإيميل: hassan.khalf@gmail.com


اسمك
ملاحظة: نرحب بكل مساحات الاختلاف في حدود الآداب العامة وأخلاقيات الحوار وضمن إطار الموضوع، ويرجى مراعاة الكتابة باللغة العربية مع حسن الصياغة وتجاوز الأخطاء النحوية والإملائية، التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الشرق الاوسط الاخبارية" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق.