الرئيس .. كما شاهدته من هناك

03/10/2021 - 6:24:26

كتب - جلال مصطفى السعيد

رحم الله الرئيس السادات، فقد كان رجل دولة من الطراز الفريد، ووطنياً وعظيماً، ودخل التاريخ من أوسع أبوابه، بطلاً للحرب والسلام، ولقى ربه فى احتفالاته بذكرى نصر اكتوبر، فى هجوم غادر من الجماعات الاسلامية التى أعادها إلى المشهد السياسى، فتوحشت وطغت واغتالته بخسة وندالة.
وقد كنت محظوظاً وأنا الشاب الصغير، أن أقابله مرتين عامي 1970 و1972، وكانت الأولى فى ثالث أيام عزاء الرئيس عبد الناصر، وتصادف أن كانت جلستى، مجاورة للسيد حسين الشافعى وكان يعرفنى، لأننى كنت أجاوره دائماً فى صلاة الجمعة فى مسجد الكواكبى فى العجوزة، حيث كان يعيش بالقرب منه، وأنا كذلك، وقد فوجئت يومها أننى أجلس أيضاً بجوار السادات والذى أصبح رئيساً للجمهورية بعدها بأيام.
وقد قابلته بعد ذلك فى عام 1972 بصحبة خالد عبد الناصر، فى استراحة فى المعمورة والتى كانت مجاورة لاستراحة الرئيس الراحل عبد الناصر، وأشهد أنه كان شخصاً ودوداً فى تعامله مع خالد ومعى أيضاً، وكان ذلك طبعاً لوجودى معه، وكنا وقتها قد أصبحنا معيدين فى كلية الهندسة، وتحدث بإيضاح شديد عن تحديات هذه المرحلة والتى سبقت حرب اكتوبر، وتشعر وأنت تستمع إليه أنك أمام شخصية اسطورية ذات خبرات طويلة، ورؤية ثاقبة، وهو ما وضح جلياً بعد ذلك فى قراره فى خوض حرب أكتوبر المجيدة والانتصار الكبير الذى حققته قواتنا المسلحة وهو قائدها الأعلى، والذى حطمت به اسطورة الجيش الاسرائيلى الذى لا يقهر.
لم أقابل الرئيس السادات وجهاً لوجه بعد ذلك، ولكن ما أقدم عليه من إجراءات بعد انتصار اكتوبر، والتى تتعلق بسياسته فى تخفيض الضغوط على جماعات الاسلام السياسى، ومبادرة السلام مع اسرائيل، كانت لها انعكاسات على المشهد العام بأجمعه، ولأننى سافرت إلى كندا فى صيف 1974، تابعت هذا المشهد من خارج البلاد، ومن بلد تعتبر امتداداً جغرافياً وبشرياً وثقافياً واقتصادياً للولايات المتحدة، وتشعر وأنت فيها كأنك تعيش تماماً فى أحد الولايات الأمريكية.
بداية فقد قرر الرئيس السادات، وتحت الضغوط التى كان يتعرض لها من اليسار المصرى، فى داخل الجامعات وخارجها، وخاصة عقب أحداث 18 و19 يناير 1977، أن يطلق العنان لشباب التيار الاسلامى ولقيادات الإخوان للعودة للمشهد بعدما طالهم من إجراءات فى 1965، وانتشر أنصار هذا الاتجاه وسيطروا على الساحات الطلابية فى الجامعات المصرية، وأتذكر أننى قد رأيت أول فتاة مصرية منتقبة فى حياتى، ليس فى مصر ولكن فى كندا، حيث توافد الدارسون المصريون وزوجاتهم إلى كندا وأمريكا، وكلهم من ذوى الذقون الجدد، وبدأ البعض منهم ينصب نفسه أميراً على الجماعة، وتكرر ذلك فى معظم الجامعات ثم امتد نشاطهم إلى منظمة الطلية المسلمين (M.S.A)، والتى أصبح لها فروع فى جميع الجامعات، وانتخابات سنوية، وسيطر عليها أصحاب تيار الاسلام السياسى، وكثيراً ما دعت هذه المنظمة قيادات الاسلام السياسى العالمية إلى لقاءات مع الطلاب، وكان يتم إعداد هذه اللقاءات بمنتهى الحنكة وأتذكر أننى رأيت الشيخ القرضاوى لأول مرة فى عام 1978 فى لقاء حاشد حضره المئات فى مقر المنظمة فى مدينة ووترلو الكندية، ولحسن الحظ فأننى لم انبهر بالشيخ القرضاوى على الإطلاق، واستمر عدم انبهارى به حتى ظهوره فى ميدان التحرير فى خطبة الجمعة الشهيرة عقب أحداث يناير 2011، ووقتها تحول عدم انبهارى به، إلى غضب شديد منه.
وقد اغتالت الجامعات الاسلامية الرئيس السادات فى اكتوبر 1981، وكنت أنا مازالت فى خارج البلاد، ولكنى كنت فى جامعة الكويت فى ذلك الوقت، وشاهدت كما شاهد المصريون والكويتيون كيف توحش من أكرمهم وأخرجهم من السجون ليغتالوه فى يوم انتصاره.
ومن الأمور الهامة جداً التى تابعتها بانبهار شديد كما تابعها الملايين حول العالم، والأمريكيون والكنديون تحديداً، كانت مبادرة السلام التى أطلقها السادات فى 1977 وسفره إلى اسرائيل فى نوفمبر 1977، والاستقبال الاسطورى له فى الكنيست، وخطابه التاريخى فى عقر دارهم، وتحديه كل المعارضين لمبادرته من المصريين ومن الحكام العرب، ثم انخراطه فى مباحثات كامب ديفيد، وما تسرب منها من مواقف تنم عن رئيس له ذكاء خارق، وقدرة على التفاوض والتفاهم مع الأمريكان والاسرائيليين وباللغة التى يفهمونها، والإصرار على استرداد كامل الأرض، وعلى أن يكون الاتفاق مفتوحاً لدخول أطرف أخرى ومنها سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية، وهو الاتفاق الذى تم توقيعه بعد ذلك فى أعقاب محادثات كامب ديفيد، ثم تلتها مباحثات مينا هاوس فى القاهرة التى غاب عنها الرئيس السورى وياسر عرفات، وأضاعوا فرصة ما زالوا يندمون عليها حتى الآن.
فى أثناء زيارة السادات لإسرائيل، مع أنى لم أكن استريح لإسرائيل عموماً، وكذلك عقب انتهاء مباحثات كامب ديفيد، كنت أنظر إليه نظرة اعجاب شديدة جداً وكان أصدقائي وأساتذتي الكنديين، ولأنني كنت المصرى الوحيد بينهم، ومن فرط اعجابهم بشجاعته وانبهارهم بشخصيته العبقرية، فقد أطلقوا عليَّ أنا اسم السادات.


اسمك
ملاحظة: نرحب بكل مساحات الاختلاف في حدود الآداب العامة وأخلاقيات الحوار وضمن إطار الموضوع، ويرجى مراعاة الكتابة باللغة العربية مع حسن الصياغة وتجاوز الأخطاء النحوية والإملائية، التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الشرق الاوسط الاخبارية" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق.

الاكتر قراءة