لماذا ينتحـــــر المصــــــــريون ؟

19/12/2017 - 2:34:23

بقلم - زكى عرفه

مما لا شك فيه أن الإنتحار حرام .. هكذا تنص كافة الأديان الدينيه .. وعندما يهدد أحد اهله او اصدقائه بالإنتحار يكون الجواب الطبيعي الوافى " عايز تموت كافر وتخسر آخرتك " .
وتلك إجابة رادعه تعيد الصواب الي صاحب التهديد وتجعله يراجع نفسه ويعود الي رشده من جديد فذا كان تعيساً في دنياه فلماذا يحصد التعاسه في آخرته ؟ .
وظاهرة الإنتحار لم تعد حاله فرديه او قصة عاشق ولهان رفض اهل محبوبته ارتباطه بها فقرر إتباع قصص العشاق القدامي وأقدم علي الإنتحار كي يذكره التاريخ ويخلد قصة حبه ..
ولكن الإنتحار الآن اصبح منهج وأقرب الوسائل وأسهلها للتخلص من المشاكل .. فبدلاً من معاناة الإكتئاب او الفشل في الحصول على فرصة عمل او تعويض الخسائر الماليه أو فقدان الوظيفه او الهروب من النكد الزوجي أصبح من السهل ان تتناول مبيداً حشرياً .. أو سم الفئران .. ولو كنت صلباً فعليك بإختبار قوة مترو الأنفاق وقضبانه الحديديه .. ام اذا كنت تقليدياً فإستخدم الطريقه العشماويه و " تشنق نفسك بحبل " .. او اذهب الي كباري النيل وما اكثرها في مصر .
ففى عام 2009 سجّل الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء 104 آلاف حالة إنتحار فى مصر ، تمكن 5 آلاف منهم بالفعل من إنهاء حياتهم ، و دق ناقوس خطر يقول " الإنتحار فى مصر ظاهره خطيره تتصاعد يومًا بعد يوم " .
ومنذ 2009 تبدلت الأوضاع السياسيه والإجتماعيه والإقتصاديه فى مصر ، فيما إرتفع عدد المكتئبين والمنتحرين حول العالم إرتفاعات مُطردة بأرقام مُحددة تُسجِلها منظمة " الصحة العالميه " بصفه سنويه ، لم تذكُر جهه رسميه مصريه أو أمميه عالميه أرقاماً واضحه عن معدلات الإنتحار فى مصر فى الأعوام الأخيره ، ومع بروز أسباب واضحه للإنتحار ما بين ضيق الأوضاع الإقتصاديه ، وشعور أرباب الأسر بالعجز حيالها ، وصعوبات النظام التعليمى ، وفقدان بعض الطُلاب الحيله فى ظل تنافسيه شديده وأنظمة إختبار صارمه ، ولا ننسى شبح " البطاله " الملازم لنا وعدم الشعور بالأمان الوظيفى ، وسأحاول توضيح إجابة سؤال لماذا ينتحر المصريون ؟ .
ويقوم " محمد المهدى " أستاذ الطب النفسى بجامعة الأزهر بتحليل مفهوم الإنتحار فيجمل معناه بعبارة مُقتضبه وهى " قتل النفس عمدًا " ، يُضيف كذلك أن السلوك الإنتحارى من الممكن أن يتخذ درجات مُختلفة من الشدة بيد أنها تخدم نفس الهدف ، فيما يُعرف بـ " الإنتحار الجزئى " ويجنح له الأفراد عبر القيام بالتصرفات الخطرة عمدًا ، كالقيادة بسرعة عالية عبر طرقًا غير آمنة مع تجاهل العواقب والمخاطر رُغم الإلمام بها ، كذلك إهمال علاج الأمراض العضويه المزمنه على سبيل المثال ، يجيب أستاذ الطب النفسى عن تساؤل ما إذا كان ممكنا أن يُقدم شخص على الإنتحار دون المرور بأزمات طبيه مُشخصة فيقول : 98% من حالات الإنتحار وراءها دوافع مرضيه ، سواء عضويه أو نفسيه ، النسبة القليله المتبقيه بتعبر عن إختيار حر .
كما أن إضطراب الإكتئاب كأهم العوامل الممكن أن تؤدى إلى محاولة الأشخاص التخلص عن حيواتهم عن عمد ، حيث أن الإكتئاب مسؤول عما بين 15 و18.9% من حالات الإنتحار .. و يليه الإدمان بنسبة 15% .. ثم الفصام بنسبة 10% ، المصاب بالإكتئاب لا يصل لتلك الدرجه الحاده من التضرر سواء بتفاقم ما يعانيه من الشعور بالحزن ، وصولاً لحالة إنعدام الأمل فى الحياه أولاً .. وكذلك فقد الحيله ، يعتبر الطب النفسى أن التأخر فى التعرف على أعراض الإكتئاب وتشخيصه عاملاً حاسماً فى تحديد مصير المُصاب ، إذ يمكن أن يتعايش الأفراد من الأعراض الإكتئابية لشهور عدة دون أى يشعر أى من ذويهم ، كما تلعب الضغوط الإجتماعيه والماديه فى المُحيط المصرى فى الآونة الأخيره .
كما أن الفقر أو سوء الأحوال الماديه يؤدى إلى محاولة الشخص التخلص من حياته .. و إذا إنسدت أمام الشخص كل الطرق و السبل فليس أمامه غير القدوم على الإنتحار .
وقد رأيت فى مجتمعنا المصرى شعور الآباء والأمهات بالضغط النفسى الشديد عند عجزهم عن تلبية إحتياجات صغارهم الماديه ، خاصة وقت المواسم .. و الأعياد أو بداية العام الدراسى ، فيتحول شعور الشخص بالعجز وإنعدام الحيلة إلى غضب شديد تجاه المجتمع وقد وصف الطب النفسى أن الإنتحار فى هذه الظروف يطلق عليه " الإنتحار الإحتجاجى" أى أن الشخص يُقدم بالفعل على الإنتحار بطريقة علنية ودراميه ، كالإنتحار أمام إحدى المؤسسات الرسميه ، أو الإنتحار متدليًا من لافته إعلانيه كما شهدنا فى حادثه منذ وقت ليس ببعيد .
و يفرق الطب النفسى بين ما يحصل عليه الأفراد من دعم أسرى وشخصى فى الدائره المقربه وما يمكن أن يتفاعل الأفراد المصابون بالإكتئاب معه من دعم افتراضى عبر وسائل التواصل الإجتماعى ، حيث يعتبر كلمات الدعم والتقدير الإفتراضية غير ذات تأثير ، ولا يمكن الإعتماد عليها كرادع قوى لمحاولة الإنتحار، حيث ينشد الأفراد عادة دعماً مباشراً من الدائره المقربه والأسره والأصدقاء ، وقد تظهر تلك الحاجه فى ثوب صرخات استغاثه واضحه أو تلميحات أو تصريحات عن الرغبه فى التخلص من حياته ، عبر المُحيط الإفتراضى أو وجهًا لوجه ، ويجب على المحيطين بالشخص إتخاذ الأفكار أو التلميحات الإنتحارية بجديه وللأسف .. هناك أشخاص تعتبرهذه التصريحات إبتزازاً عاطفياً أو محاوله لجذب الإنتباه .. و لكن يجب أن نتعامل معهم بجدية حتى لو كانت تهديد .
كما أن نطاق خدمات الرعايه النفسيه للجمهور بحاجه لتوسع نوعى ، ويجب تدشين " مراكز الدعم النفسى " لكى تسهم فى إحتواء وتفهم مشكلات الأفراد وتوجيه النصح والدعم الملائم عن طريق الإخصائيين النفسيين والإجتماعيين ، وكذلك متطوعون خضعوا للتدريب الكافى ودون مقابل مادى يُذكر ، فيما تؤجل زيارة طبيب نفسى مُختص لحين التعامل مع أعراض مرضيه مشخصة بالفعل وتستوجب الإهتمام الطبى دون غيره .


اسمك
ملاحظة: نرحب بكل مساحات الاختلاف في حدود الآداب العامة وأخلاقيات الحوار وضمن إطار الموضوع، ويرجى مراعاة الكتابة باللغة العربية مع حسن الصياغة وتجاوز الأخطاء النحوية والإملائية، التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الشرق الاوسط الاخبارية" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق.