الإعلام .. وتأثيره على الأطفال

16/08/2017 - 1:00:49

بقلم - زكى عرفه

مما لاشك فيه أن الإعلام هو أداة نشر المخزون الثقافي والحضاري الذي تمتلكه كل أمة وصوتها البليغ في التعبير عن آرائها وأفكارها ومبادئها وتطلعاتها بين الأمم .
ويتلقى الطفل هذا الإعلام بعفويه تامه ، ويتفاعل مع ما ينقله من مضمون ثقافي بسذاجه واضحه . والطفل وهو أكثر أفراد المجتمع استجابة لمعطياته ، ووقوعاً تحت تأثيره .
والإعلام بهذه الصفه من أهم الوسائل تأثيراً على تربية الطفل وبنائه الثقافي ، وأشدها مزاحمة للأسره والمدرسه على وظيفتهما التربويه الثقافيه . وتأتي أهمية هذا الموضوع من كونه يبحث وضع الإعلام الموجه إلى الأطفال ومدى إستثماره في تثقيفهم وتنشئتهم على المبادئ ، ولا سيما بعد أن طرأت عليه متغيرات ساعدت في تطوره ، وضاعفت من سرعته وفاعليته وتأثيره من خلال الهاتف والحاسب والأقمار الصناعيه ووكالات الأنباء والمطابع ودور النشر والتوزيع والإعلان ، بالصورة العاديه والملونه ، الناطقه والمتحركه ، وتحوله إلى أداة خطرة الأطفال الذين يعني الإهتمام بهم وبحاضر الأمه ومستقبلها .
والتلفاز والأفلام يستحوذان على إهتمام كامل من جانب الجماهير خاصة الأطفال الذين يميلون إلى قبول جميع المعلومات التي تظهر في الأفلام ، ويمكن إرجاع ذلك إلى أن الطفل يستمد في الأغلب خبراته ومعارفه عن طريق حاستي العين والأذن ، ومن ثم تبقى الماده الإعلاميه المصوره في مقدمة ما يجذب إنتباه الأطفال ، وتعود هذه الجاذبيه إلى أن آليات فسيولوجيه معينه في العينين والأذنين والدماغ تستجيب للمثيرات المنبعثه على شاشة التلفزيون ، بصرف النظر عن المضمون المعرفي للبرامج .
لذا كان التلفزيون يأخذ وقتاً طويلاً من حياة الطفل . لقد أكدت نتائج دراسات علماء الإجتماع والنفس تأثير التلفاز على ثقافة الأطفال ومعتقداتهم واتجاهاتهم وقيمهم، ومن هذه الدراسات دراسة أجريت في دولة عربية لمعرفة أثر التلفاز على الأطفال من سنه الى أربعة سنوات تبين أن 1.76% من عينة البحث التي بلغت 5001 طفل يميلون إلى تقليد البطل الذي يشاهدونه في الأفلام والمسلسلات ، وأجاب 8.57% من العينة بأنهم يريدون أن يكونوا مثل البطل ، وهذه النتيجه توضح أن الطفل لا يميل فقط إلى تقليد البطل بل يرغب في أن يتصف بصفاته ..
وبلغ هذه الدرجه من التأثير على الطفل بل وعلى المشاهد عموماً ، أن يكون في المجتمعات العربيه أداة فعاله في المساهمه في تنشئة الطفل ورعايته ثقافياً ، وحماية المجتمع من الفساد القيمي والخلقي ، وأن يصونه القائمون عليه من أن يكون أداة ضياع وإهدار للأوقات والجهود والأموال ، وأن يستشعروا دوره الخطير المؤثر على الطفل.. إلى جانب الأسرة والمدرسة، فيخصوه ببرامج تثقيفيه وتعليميه وترفيهيه هادفهومشبعة لحاجاته وتتناسب مع عقليته وبيئته ومبادئه وتكون بديلاً عن تلك الأفلام والبرامج الأجنبيه بكل ما فيها من قيم ومفاهيم وتقاليد غربيه وَرّثت غموضاً وحيرة عند أطفالنا ، وتبعية مطلقه لكل ثقافه وافده .
ولقد تحول التلفاز مع التقدم التكنولوجي المذهل في وسائل الإتصالات إلى وسيله قويه تتجاوز الناحيه الإقليميه والحدود السياسيه للدول ، وتعمل على تقارب المجتمعات ، وتمازج الثقافات ، وتداخل الحضارات ، وأصبح حاضر الطفل اليوم مليئاً بالتحديات التكنولوجية من خلال الفضائيات المحمله بكل وسائل التأثير الفكري والعقيدي والخلقي .
فكيف سيعيش الطفل العربي في هذا العالم المفتوح ، خاصة إذا تم تعامله مع هذه الوسائل بعيداً عن التحصين الأسري ضد مخاطرها العقيديه والأخلاقيه والنفسيه والصحيه ؟! .
فالأقمار الصناعيه اليوم هي أيسر وسيله لنقل الإرسال إلى القارات بأسرها ، وأقواها تأثيراً في تصدير الآراء والأفكار إلى الشعوب ، أترى سيعيش الطفل حبيس والديه ومنزله معزولاً عن هذه الوسيلة المنتشره التي إخترقت الحجب والآفاق ، وأصبحت تحت السمع والبصر؟
وإن التقدم الإعلامي التكنولوجي لم يقتصر على التلفاز وحده ، وإن كان أكثر حظاً من غيره ، بل تقدمت كل وسائل الإعلام فأصبحت المجلات والصحف على جانب من الأناقة والجاذبيه وسرعة في نشر الخبر وتوظيف المعلومه وحسن العرض ، وصارت القصه ذات شأن عظيم وتأثير منقطع النظير مع تطور أساليب التعليم والتربيه والعنايه بالأدب الموجه وحسن إخراجها المقرون بالوسيلة والرسوم المعبره .
كما حاولت الإذاعه أن تحافظ على مكانتها الإعلاميه عن طريق تنوع برامجها الخاصه بالأطفال ، وإعتمادها على مساهمتهم المباشره ، ومع تطور هذه الوسائل ظهرت وسيله إعلام جديده .. و هي شبكة الإنترنت التي تحولت بالنسبة إلى أطفالنا إلى ساحر جديد يستهلك أوقاتهم ، ويضع أمامهم مجالات واسعة للمعرفه والثقافه ، ولكنها في الوقت نفسه تكشف جوانب أخرى سلبيه لمغامره غير مأمونة العواقب ، وهذا يشكل تهديداً قوياً على سلوكات أطفالنا ، ويجعلهم عرضه لنوعيات مختلفه من المعلومات والصور والأحداث التي لا تتناسب مع مراحلهم العمريه .
و رعاية الإعلام التربويه تتميزفى مرحلة الطفوله بأنها مرحلة بناء المعارف وتأسيس القيم ، وهي بحاجه إلى رعايه خاصه وتبدأ بالوالدين اللذين يقومان بمراقبة تصرفات ولدهما وتهذيب حاجاته ، ولاسيما إذا بلغ سن التمييز أو المراهقه لكون هاتين الفترتين من مرحلة الطفوله تزداد فيهما قواه العقليه ، ويتسع خياله ، وتنمو فيهما مفاهيمه ، ويرتقي حسه الخلقي .
ولقد أصبحت وسائل الإعلام في الوقت الحاضربما لها من تأثير شريكة الأسره والمدرسه في تربية الطفل ، وصار بالإمكان التحكم فيما تنشره وتبثه من ماده إعلاميه .. بل أصبحت تمارس دوراً تربوياً فعالاً تجاه أبنائنا كاد أن ينافس أو يقلل من شأن وظيفة الوالدين التربويه ، وقد دلت الدراسات العلميه على أن الظروف الأسريه وإنشغال الوالدين كان لهما أثر كبير في إتاحة الفرصه ليمارس الإعلام وظيفته التربويه .
و رعاية الإعلام الثقافيه تميزه بأنه الوسيله التي تعبر عن الشخصيه الثقافيه لأي أمة من الأمم .
وإن الإعلام لن يستطيع أن يعبر عن ثقافة الأمه إلا إذا أدركها وميّزها عن سائر الثقافات الأخرى ، وإذا كانت وسائل الإعلام ذات تأثير تربوي فإن لها أيضاً تأثيراً في صياغة الوجهه الثقافيه للطفل فلم تعد وسائل الإعلام غريبة علينا ولا على أطفالنا، ومهما تكن فهي تحمل ثقافة ما نتأثر بها .
فإذا كانت هذه الثقافه غريبه عنا فمن الطبيعي أن نرفض هذه الثقافه ونحاول أن تكون هذه الوسائل بما تحتضنه من معارف وعلوم وخبرات لمختلف الأعمار أداة لتقديم ثقافتنا الأصيله .
كما يجب غرس الفكر الصحيح في عقول أبنائنا ، و تنمية الحس الخلقي النبيل لديهم وبذلك نصد خطر الفكر الوافد ونحرر ثقافتنا وإعلامنا من القوالب الغربيه ، كما إنه لبوسعنا إستثمار إعلامنا في بناء ثقافتنا العربيه المنفتحه المحافظه على أصالتنا وعقيدتنا .


اسمك
ملاحظة: نرحب بكل مساحات الاختلاف في حدود الآداب العامة وأخلاقيات الحوار وضمن إطار الموضوع، ويرجى مراعاة الكتابة باللغة العربية مع حسن الصياغة وتجاوز الأخطاء النحوية والإملائية، التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الشرق الاوسط الاخبارية" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق.