ولادة ثورة 23 يوليه نهاية ظلم 1500 عام .. وبدايه لحكم المصريين لمصر

06/08/2017 - 2:21:01

بقلم - زكى عرفه

عاشت مصر سنوات كثيره يحكمها ويرأسها رؤساء من أجناس مختلفه لأكثر من 1500 عام و لم يحكمها مصري واحد على الإطلاق .. حتى جاءت ثورة 23 يوليه 1952 وغيرت كل المقاييس وحققت نجاحات لم تكن في الحسبان ، حتى إن بعض قيادات الثورة أثناء نقاشهم الأخير لخطة الثورة توقعوا نجاح الخطة بنسبة 10% فقط و تم عمل خطه لهذه الثوره الغير متوقعه تحت إسم سرى لها وهو " نصر " ، و كانت المفاجآه عندما حققت الثوره نجاح لم يتوقعه الجميع .
و قبل ولادة تلك الثورة كانت هناك أسباب ومقدمات أثرت بالسلب على الشعب المصري ومهدت لإشتعال تلك الثورة حيث كان أهمها : الإحتلال الإنجليزي لمصر عام 1882م ، ونقض الإنجليز لوعودهم بالجلاء ، وفساد النظام الملكي في مصر فكانت كل تلك الأسباب والمقدمات تكفى لخروج لهيب المصريين المكبوت .
وقد كانت نية " الضباط الأحرار " معقودة على القيام بالثوره خلال نوفمبر 1955 ، ولكن أحداث حريق القاهرة في 26 يناير 1952 كانت جرس الإنذار قبل الثوره ، حيث أن الفاعل لم يعرفه أحد بالإضافة إلى حالة عدم الاستقرار السياسي . كما أن قرار " الملك فاروق " بنقل اللواء " محمد نجيب " ليكون قائدًا للمنطقة الجنوبية في " منقباد " الذى كان بمثابة " نفى " ، كل هذا جعل الضباط الأحرار يعجلون بالقيام بالثوره
ثم وصلت أنباء عن إعتقال عدد من الضباط ، ومجيء وزارة " حسين سري " 20 يوليه 1952 ، التي لم تستمر في الحكم سوى تسعة عشر يوماً فقط مما يدل على مظاهر العبث الملكي الأخيرة الصارخة ، وبعد ذلك تقرر في يوم 19 يوليه أن تتم الحركة ليلة 21 ، 22 يوليه 1952 .
و كان الوقت ضيقاً للغاية لوضع الخطه المناسبه ، وحشد كل " الضباط الأحرار " ولم يكن هناك سبيل للتراجع ولا مفر من الإقدام على الثورة .
و إنحصرت القضية على الاتصالات بالضباط الأحرار ، ثم تبيَّن تحت ضغط عامل السرعة أن التنفيذ في الموعد المحدد في ليلة 21 و 22 يوليه 1952 هو أمر شديد الصعوبة وتقرَّر تأجيل الموعد يوماً واحداً الى 23 يوليه وهو يوم ولادة الثوره .
وأثناء إجتماع قادة " الضباط الأحرار " يوم 19 يوليه على شكل مجموعات عمل للإعداد للتحرك تم إستدعاء اللواء " محمد نجيب " الذي أصبح رئيساً لمجلس قيادة الثورة ، وذلك لمقابلة الوزير " محمد هاشم " وسأله عما إذا كان تعيينه وزيراً للحربية كافى لإزالة أسباب التذمر في صفوف ضباط الجيش ، وخلْق حالة من الرضا لدى الضباط ؟
و فوجئ نجيب بالسؤال ، وبلا تردد رفض المنصب ، وقال له : إنه يفضِّل أن يبقى في موقعه بالجيش وأنه سبق وعرض عليه منصب وكيل وزارة الحربية ورفضه .
وأثناء هذا الحديث أبلغ الوزير محمد هاشم محمد نجيب ، وربما دون قصد بأن السراي لديها قائمة بأسماء 12 ضابطاً من قيادات " الضباط الأحرار " ، فأسرع نجيب بإبلاغ " جمال عبدالناصر ، وعبدالحكيم عامر " بهذه المعلومات مما جعل اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار تعجِّل بالقيام بالثوره .
وفي الساعة الثانية بعد ظهر 22 يوليه عقَدت لجنة القيادة اجتماعها الأخير ، وحضر كلاً من جمال عبدالناصر ، وحسن إبراهيم ، وعبدالحكيم عامر ، وكمال الدين حسين ، وعبداللطيف بغدادي ، وخالد محيي الدين ، وزكريا محيي الدين ، وحسين الشافعي ، وعبدالمنعم أمين ، وإبراهيم الطحاوي ، وقيادات أخرى ، وتغيب كل من جمال سالم ، وصلاح سالم ، وأنور السادات .
وإنقسمت الخطة إلى ثلاث مراحل :
وهي السيطرة على القوات المسلحة ، وتحريك بعض القوات إلى مبنى قيادة الجيش الموالية للملك ، و إقتحامه والإستيلاء عليه ، على أن يتم في الوقت نفسه إعتقال بعض كبار ضباط الجيش ، والطيران ، وقادة الأسلحة المختلفة حتى لا تتحرك أي قوات عسكرية للتصدي للثوره فكان سلاح الفرسان مسؤولاً عن إغلاق المنطقة عند شارع الخليفة المأمون ، و إغلاق المنطقة عند المستشفى العسكري ، وعند باب ستة بالعباسية ، وباب العباسية ، أما المدفعية فمهمتها عزل منطقتي ألماظة والهايكستب والطرق المؤدية إلى وحدات الجيش المختلفة ، وسيعاون المدفعية في هذه المهمة وحدات من الفرسان ، بدبابات وعربات مصفحة ، وتم تحديد المسؤولين عن تحريك القوات في المرحلة الأولى بكل من سلاح الفرسان : حسين الشافعي ، خالد محيي الدين ، ثروت عكاشة .
و المدفعية : كمال الدين حسين ، عبدالمنعم أمين .
والطيران : حسن إبراهيم ، عبداللطيف بغدادي .
وكُلّفت مجموعة من المدرعات بالسيطرة على مطارات ألماظة ، مصر الجديدة ، غرب القاهره ، وتحدَّدت مهمة الطيران بعد ذلك في طلعات استكشاف للتأكد من عدم تحرك قوات بريطانية من قاعدة القناه ، فضلاً عن طلعات إستكشاف أخرى فوق القاهرة والإسكندريه ومنع الملك " فاروق " من الهرب سواء عن طريق الجو أو البحر .
أما المرحله الثانيه تمثلت في إنزال قوات إلى الشوارع للسيطرة على عدد من المواقع المدنية مثل : الإذاعة ، وقصر عابدين .
وكانت المرحلة الثالثة هى التحرك لعزل الملك ومحاصرته ، ومنعه من الإتصال بالقوات المسلحة أو القوات البريطانية ، وفي أحد الإجتماعات تحدث " حسين الشافعي " فقال : إن سلاح الفرسان جاهز وإن لديه 32 ضابطًا على أُهبة الإستعداد لتحريك قوَّاتهم ، وأنه تمت السيطرة على 48 دبابة ، و48 سيارة مدرعة ، وكان موقع جمال عبدالناصر حساس جداً بصفته المسؤول الأول عن حركة " الضباط الأحرار "، وقد اتصل عبدالناصر بالإخوان؛ ليُبلغهم بالحركة طالبًا مساعداتهم في حالة تحرك الإنجليز ضد الحركة ، وكان رد الإخوان إيجابياً .
وفي الساعة السابعة من مساء يوم 22 يوليه أبلغ الملازم أول " حسين محمود صالح " من " الضباط الأحرار " في سلاح المدفعية زملاءه في السلاح أنه عندما كان يغادر منزله مرتدياً الزي العسكري ، ومسلحاً بمسدسه ، شكَّت والدته في الأمر فأبلغت شقيقه اللواء جوي " صالح محمود " فقام بدوره بالإتصال بالقيادة العليا في الإسكندريه ، معتقداً أن بعض الضباط ينوون القيام بشيء ما في هذه الليله .
وفي الحال أبلغ حسن محمود " الضباط الأحرار " في المدفعية وقاموا بإبلاغ ذلك لمسؤول المدفعيه ، وأعادوا الضابط إلى منزله حتى تطمئن والدته ، وتكف عن إنزعاجها ، لكن الخبر كان قد وصل أيضًا للملك " فاروق " ، وتأكَّدت السرايا أيضًا من الخبر بعد أن وصَلتها معلومات من اللواء " أحمد طلعت " حكمدار العاصمة الذي أبلغه يوزباشي الفرسان النقيب " فؤاد كراراة " بأن أحد زملائه الضباط وهو " ممدوح شوقي " من الضباط الأحرار قام بمحاولة ضمه للحركة ، وعلى ذلك تم استدعاء اللواء " حسين فريد " رئيس أركان الجيش ، وتم تكليفه بالتوجه إلى مقر القيادة للقضاء على أي حركة من جانب الجيش .
وجاء وقت التنفيذ .. حيث كان أعضاء الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار يجتمعون بين الحين والآخر ليتدارسوا الموقف ، ويضعوا الخُطط لرسم الطريق من أجل تنفيذ الثورة ، وكانوا يحيطون خططهم واجتماعاتهم بسرية وكتمان شديدين ، ويُغيرون أماكن اجتماعاتهم مرةً تلو المرة وذلك حرصاً على السرية المطلقه .
ولقد تم الإتفاق على أن يكون مركز " ولادة وخروج الثورة " في منطقة ثكنات الجيش من نهاية شارع العباسية إلى مصر الجديدة ، فالخطة تقضي بإحتلال المراكز المهمة لأسلحة الجيش ، والسيطرة على الجهاز الحربي الذي تتركز فيه قوة الجيش ، وقسمت القاهرة إلى أربعة قطاعات ، و إنتدبت الهيئة التأسيسية لكل قطاع بعض " الضباط الأحرار " تصحبهم قوة من الجند بأسلحتهم ومصفحاتهم ، حيث قضت تعليمات قيادة الثورة بإعتقال كبار الضباط القدامى ، وقادة الأسلحة في الوقت المناسب قبل ساعة الصفر ، وبالفعل تم إعتقال العديد من قادة الجيش في مراكزهم ، أو منازلهم ، أو في الطريق إليها ، دون أن يعرفوا سبب إعتقالهم ، وتم نقْلهم مع الإحترام الواجب إلى الكلية الحربية ، وحجز كل منهم في غرفه .
وفي منطقة العريش كان للثورة قوات مواليه ، كما كانت هناك قوات مواليةه للثورة في الإسكندريه ، والهدف منها تأمين المنطقة هناك والسيطرة عليها حيث إن أتباع الملك وحراسه موجودون هناك .
وكانت من الأشياء الغريبه والعجيبه ذهاب " محمد أنور السادات " إلى منزل عبدالناصر ، ولكنه لم يجده وقد أخبر السادات بواب منزله بأنه سيكون موجودًا في " سينما منيل الروضة "، وإذا سأل عليه أحد فليُخبره البواب بأنه سيكون موجودًا بالسينما ، ولقد ذهب عبدالناصر إلى منزل السادات ونسِي البواب أن يخبره بأن السادات في السينما .
ثم عاد السادات إلى منزله وأعطاه البواب رسالة من عبدالناصر ، فلما قرأها إستبدل السادات على الفور ملابسه المدنيه بملابسه العسكريه ، ذهب على الفور إلى كوبري القبة ، ولحظة وصوله ألقى الملازم أول " محمود عباس " القبض على السادات للتحقق من شخصيته ، وطلب السادات أن يقابل عبدالناصر ، وبالفعل قابله ، وتبيَّن حقيقة أمر السادات بالنسبة للملازم ، وتوجه السادات وعبدالناصر ، وعبدالحكيم عامر للمشاركة في التحرك ، والجدير بالذكر أن السادات عندما دخل إلى مقر القيادة وكانت الساعة الثالثه صباحاً من يوم 23 يوليه 1952 .
وبعد أن علِم " عبدالناصر " بأنه قد تم للسلطات العليا إكتشاف أمر حركة الجيش ، وأن الملك فاروق أتصل من الإسكندريه بالفريق " حسين فريد " رئيس أركان حرب الجيش في القاهرة ، الذي دعا قادة الجيش لحضور مؤتمر عاجل في مكتبه بمبنى رئاسة الجيش بكوبري القبة "وزارة الدفاع حالياً "، فطلب الضباط من عبدالناصر أن يلغي كل شيء ، ولكن تنفيذ ذلك الطلب كان مستحيلاً ، فقد وصل " الضباط الأحرار " إلى وحداتهم وفقًا للتعليمات ، وحسبما قال عبدالناصر " العجلة دارت ، ولا يستطيع إنسان أن يوقفها " .
وتحرك عبدالناصر وعامر إلى ألماظة ، وعند ميدان الكربة بمصر الجديدة التقى الإثنان بالصدفه بطابور من العربات العسكرية المحملة بالجنود ، وكان الطابور متوقفاً بأحد جوانب الميدان ، وأيقن عبدالناصر بأن هذا الطابور هو من القوات التي حرَّكها حسين فريد لضرب الحركة على الرغم أن ساعة الصفر لتحرُّك حركة الجيش ، باقى عليها ما لا يقل عن نصف ساعه .
فإقترب عبدالناصر وعامر من الطابور العسكري لإستطلاع حقيقة أمره ، فإذا بهما يجدان نفسيهما والأسلحة مشهرة في وجههما ، وأدركا بأنهما وقعا في كمين مُحكم أعدته لهما القوات الموالية للملك ، وأن حركة الجيش قد فشِلت . ونظرًا لعدم معرفة الملازم " محمد متولي " بعبدالناصر من قبل فقد بادر بتنفيذ التعليمات وألقى القبض عليه ، بينما طلب من الرائد الذي كان برفقته وهو " عبدالحكيم عامر " الإبتعاد عن الكتيبه ، وأكد الملازم " محمد متولي " أن عبدالناصر لو كان مرتدياً للملابس المدنيه لما كان متولي قد ألقى القبض عليه .
ومن لطف الله أن جاءهما الفرج على غير إنتظار .. فقد لمحا المقدم " يوسف صديق " ينزل من سيارته الجيب في أول الطابور لينقذهما من هذه الورطة ، وليخبرهما بأن طابور هذه القوات موالٍ للحركة ، و إكتشف صديق أنه قد تم تبليغه بساعة الصفر خطأً ، وأنه تحرك مبكراً عن الوقت الصحيح ، والذي كان محددًا له الواحدة صباحًا ، ذلك بسبب خطأ المندوب الذي تولى إخطاره بالموعد ، و إتفق عبدالناصر وصديق على أن يواصل الطابور تحرُّكه إلى مبنى رئاسة الجيش الموالي للملك .
وجاء وقت الهجوم على رئاسة الجيش حيث كان الفريق " حسين فريد " رئيس أركان حرب الجيش موجودًا وقتئذ في مبنى رئاسة الجيش بكوبري القبة ، و قد بلغته الأنباء بحركة الضباط الأحرار ، فإجتمع فريد في منتصف ليلة 23 يوليه بمقر رئاسة الجيش بكبار القيادات ، وانتهز " يوسف صديق " الفرصة فإقتَحم هو وجنوده مبنى رئاسة الجيش ، وبحثوا في الدور الأرضي وكان خاليً ، وعندما أرادوا الصعود للطابق الأعلى ، اعترض طريقهم شاويش فحذره صديق ، ولكن الشاويش أصر على موقفه فأطلق عليه صديق طلقة أصابته في قدمه ، وعندما حاول صديق فتْح غرفة قيادة الجيش ، وجد خلف بابها مقاومة وتَمَّ تبادل إطلاق الرصاص ، ثم اقتحم جنود صديق الغرفة ، وتم اعتقال فريد وقد وصل في هذه اللحظة 50 جنديًّا ، وكل منهم يحمل 100 طلقة ، وقد حضروا بناءً على استدعاء من رئاسة الجيش ، فضمَّهم صديق إلى قواته، بعد أن عَيِّن لهم قائدًا من ضباطه ، لم يعد هناك في القاهرة مركز يستطيع أن يعطي أوامر مضادة لحركة قوات "الضباط الأحرار .
و بدأت المدفعية في تنفيذ مهامها بألماظة ، وقد تم وضع قوات في مداخل المنطقة العسكرية للتحكم في الداخلين إليها ، وقاد هذه القوات الرائد كمال الدين حسين ، واليوزباشي " النقيب " خالد فوزي ، واليوزباشي أحمد كامل رئيس المخابرات المصرية فيما بعد، واليوزباشي علي فوزي يونس .
و إستعد سلاح الفرسان تحت قيادة ثلاثة من ضباطه الأحرار ، وخرجت المدرعات والعربات المصفحة ، بعد أن اعتقلوا قائد الفرقة المدرعة الأميرالاي حسين حشمت، ثم تولَّى خالد محيي الدين قيادة المدرعات والمصفحات التي رابطت عند مداخل مصر الجديدة " سينما روكسي ".
كما قام ضباط الثورة بسد الطريق من أول شارع الخليفة المأمون إلى منشية البكري، وتم محاصرة هذه المنطقة، فكان "الضباط الأحرار" يوقفون السيارات في طريق مصر الجديدة، ولم يسمحوا بمرور أيٍّ من المدنيين، وتم اعتقال الضباط غير الموثوق فيهم، وحاصرات قوة أخرى المطارات لمراقبة الداخلين إليها والخارجين منها، وسيطرت سرايا من الجيش على حديقة الأزبكية والمرافق العامة بالقاهرة مثل : التلغرافات ، والتليفونات ، والكباري المهمة عند مداخل العاصمة .
كما حلَّقت في الجو الطائرات الحربية التابعة للضباط الأحرار لتعلن بأن الثورة لا تسيطر على سلاح الطيران فحسب ، بل أيضًا على سماء مصر كلها .
كما تم الإتجاه للسيطرة على الإذاعة ومقرها بشارع الشريفين في وسط القاهرة .
و إستدعى جمال عبدالناصر أنور السادات ، وقال له : "إن لديك صوتًا قوياً، وأنت تُجيد فن الإلقاء ، فاذهب الآن إلى أستوديو الإذاعة ، واقرأ هذا البيان"
الفعل ذهب السادات ليذيع البيان باسم محمد نجيب ، في الساعة السابعة والنصف من صباح يوم 23 يوليه 1952، وهذا نصه .
"لقد اجتازت مصر فترةً عصيبةً في تاريخها الأخير من الرشوة ، والفساد ، وعدم استقرار الحكم ، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبيرٌ على الجيش، وتسبَّب المرتشون والمغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين، وأما فترة ما بعد هذه الحرب، فقد تضافرت فيها عوامل الفساد، وتآمر الخونة على الجيش، وتولى أمره إما جاهلٌ أو فاسد، حتى تصبح مصر بلا جيش يَحميها، وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا، وتولى أمرنا في داخل الجيش رجالاً نثق في قدرتهم وفي خُلقهم وفي وطنيَّتهم، ولا بد أن مصر كلها ستتلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب .
أما من رأينا اعتقالهم من رجال الجيش السابقين ، فهؤلاء لن ينالهم ضرر، وسيُطلق سراحهم في الوقت المناسب ، وإني أؤكد للشعب المصري أن الجيش اليوم كله أصبح يعمل لصالح الوطن في ظل الدستور، مجرَّدًا من أية غاية، وأنتهز هذه الفرصة فأطلب من الشعب ألا يَسمح لأحد من الخونة بأن يَلجأ لأعمال التخريب أو العنف؛ لأن هذا ليس في صالح مصر، وإن أي عمل من هذا القبيل سيُقابل بشدة لم يسبق لها مثيل، وسيَلقى فاعله جزاء الخائن في الحال، وسيقوم الجيش بواجبه هذا متعاونًا مع البوليس ، وإني أُطمئن إخواننا الأجانب على مصالحهم وأرواحهم وأموالهم ، ويعتبر الجيش نفسه مسؤولاً عنهم ، والله ولي التوفيق" .
وبعد أن أذاع السادات البيان قدَّم " نجيب الهلالي " رئيس الوزراء وقتئذ استقالته ، ونصح الملك فاروق بقَبول مطالب " الضباط الأحرار "، وألا يكرر مأساة عمه توفيق مع ضباط الثورة العرابية .
وكان على قيادة الثورة التفكير في تشكيل الوزارة وخاطب عبدالناصر السادات ، وكلفه بأن يبحث عن علي ماهر باشا لتشكيل الوزارة بعد نجاح الثورة، وبالفعل ذهب السادات إلى علي ماهر وأبلغه بأن مجلس قيادة الثورة كلَّفه بتشكيل الوزارة، واضطرب ماهر ولم يقل شيئًا، ففهِم السادات بأنه مُحرج فالتكليف يأتي من الملك ، ثم وافق ماهر على تشكيل الوزاره .
وبعد نجاح الثورة إختَلفت الآراء حول الملك فاروق حيث رأى " جمال سالم " الذي تولى الناحية السياسية في الإسكندرية ومعه بعض الأعضاء ضرورة محاكمة " الملك " وإعدامه ، فيما قال " جمال عبدالناصر " ضاحكًا : " إذا كنا قد قرَّرنا إعدامه فلماذا نحاكمه ، وإذا قرَّرنا أن نحاكمه ، فكم من الوقت يستغرق ذلك ، بينما الثورة تواجه مهام تغييرٍ ، ولا تستطيع الانتظار"، ولقد رأى عبدالناصر أن يتم طرد فاروق من البلاد .
وبعد نجاح الثورة، اتَّجهت مجموعتان مختلطتان من المشاة والمدرعات لحصار قصر المنتزه ، والثانية بقيادة القائمقام " أحمد شوقي " والبكباشي عبدالمنعم أمين لحصار قصر رأس التين بالإسكندرية؛ حيث يقيم الملك، وتقدَّمت قوات المشاة صوب أسوار قصر رأس التين ، وأطلق الجنود من الحرس الملكي نيرانهم على قوات الثورة الذين ردُّوا بالمثل ، وأسرع ضابط من الحرس بتعليمات فاروق الذي أصابه الذعر والهلع بالاتصال بقوات الجيش، واستدعى الملك اللواء عبدالله النجومي وكلَّفه بالخروج للسؤال عن سبب ضرب الحصار حول القصر الملكي، وما كاد النجومي يخرج حتى أسرته قوات الثورة، وتم تشديد الحصار على القصر وتبادُل إطلاق النار، كما كانت هناك مدافع ساحلية مصوبة في اتجاه القصر، وطائرات نفَّاثة تُحلِّق بين آونة وأخرى فوق القصر، وتطير على ارتفاع منخفض؛ مما بثَّ في قلب فاروق وأسرته وحاشيته الذعر والفزع .
و إنزعج الملك فسحب قوات الحرس و إتصل بـ " علي ماهر " والسفير الأمريكي يستنجد به خوفًا من القبض عليه وقتْله ، فأرسل له السفير الأمريكي سكرتيره الخاص خوفًا من خلْق حساسية مع قادة الثورة ، وتم تسليم الملك إنذار موجَّه من مجلس قيادة الثورة وهو بخط يد السادات ، وطلبوا فيه من الملك مغادرة الأراضي المصريه .
وفي الظهر ذهب سليمان حافظ وكيل مجلس الدولة إلى قصر رأس التين، يحمل وثيقة التنازل عن العرش ، وقدَّمها إلى فاروق ليوقِّعها ، فقرأها فاروق ووقَّعها بإمضائه ، وكان ذلك في الفيلا الأنيقة المقامة بالجبهة الغربية من الديوان الملكي .
و إستسلم فاروق و إستعد لتنفيذ إنذار الجيش والرحيل عن البلاد قبل الموعد المحدد في ذلك الإنذار .
وغادر فاروق قصر رأس التين وسار إلى رصيف الميناء ، وكان يرافقه لتوديعه علي ماهر والمستر جفرسون كافري سفير الولايات المتحدة الأمريكية لوداعه؛ إذ طلب فاروق من السفير الأمريكي أن يكون إلى جواره خلال ساعة رحيله ضمانًا لحياته، وهو السفير الأجنبي الوحيد الذي قابَل الملك في الصباح وودَّعه في المساء، وقبل أن يصل فاروق إلى الميناء ، أُنزِل العلم الخاص به من فوق سارية القصر وطُوِي، ثم سُلِّم إلى علي ماهر، فسلَّمه إلى فاروق، واستقل فاروق لنشًا وغادر البلاد .
وعلى أثر إذاعة البيان الخاص بتنازل فاروق عن العرش ، خرَج بعض ضباط الجيش في سيارات مزوَّدة بمكبرات الصوت ، وأخذوا يطوفون بأنحاء الإسكندريةه والقاهرة حاثِّين المواطنين على التزام الهدوء والسكينة ، وكانت الإسكندريه آنذاك محتشدةً بالجماهير ، وكان الجميع يقابلون موكب " محمد نجيب " بعاصفة من الحماسة والتصفيق ، ولقد شعر الشعب في كل مكان بالفرح والارتياح .. فقد كان يتطلع إلى هذه الثورة كوسيلة لتحريره من الظلم والأوضاع الفاسدة التي استمرَّت قرابة قرن ونصف من الزمان ، وتم التغيير ببساطة وسهولة مدعومه بالتأييد الشعبي .. فقد كان فاروق هو العاهل الوحيد من أسرة محمد علي الذي خلع بإرادة الشعب .
.


اسمك
ملاحظة: نرحب بكل مساحات الاختلاف في حدود الآداب العامة وأخلاقيات الحوار وضمن إطار الموضوع، ويرجى مراعاة الكتابة باللغة العربية مع حسن الصياغة وتجاوز الأخطاء النحوية والإملائية، التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الشرق الاوسط الاخبارية" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق.